عدنان صغير
26-05-2004, 01:24 AM
الـعـطــش
تأليف أ/عـدنان بن سـعد صـغير ـ كلية ينبع الصناعية
لازال عبد الله هائماً على وجهه يسير في تلك الصحراء القاحلة …ولازال يتغلب على يأسه ببصيص من الأمل ينبعث من روحه المؤمنة المطمئنة …واصل عبد الله مشواره في رحلة المجهول… لم يكن يعلم أين هو .. ولا من أين يتجه ؟! كل ما يعرفه أنه يجب أن يقطع هذه الصحراء حتى يصل إلى هدفه
كان ينظر إلى دابته المسكينة وهي تحمل كل هذه الأمتعة وترافقـه في هذه الرحلة المرهقة ولا تتردد في تتبع أثره ..العرق يتصبب من جوانب جسدها…تنظر بعينيها المجهدتين وكأنها تريد أن تقول شيئاً ولكن كيف لعبد الله أن يفهم !
حاول جاهداً أن يتعرف على مكانه ..نظر إلى الشمس ..قلّب بصره هنا وهناك دون جدوى ..نظر إلى دابته المسكينة ومسح على رأسها وقال : لنواصل المشوار فالله لن يضيعنا .
كان يعلم أن دابته قد نالها من التعب ما لا تُحسد عليه .. الحر لافح والرمال محرقة .. توقف فجأة … اقترب من الدابة أخرج الخريطة ..تأملها وأخرج جراباً جلدياً وشرب قليلاً من الماء .. أخرج وعاءً وسكب ماءً لدابته المسكينة ..لم تصدق نفسها من الفرح ..شفطت الماء ..لحست الوعاء ..رفعت رأسها لكن عينيها لازالتا تنظر إلى الوعاء ،مسح عبد الله رأسها وقال : أتمنى أن أعطيك أكثر ولكن ..وأشار بيديه كأنه يقول : أنت تفهمين ما أعنيه
واصل عبد الله المشوار ..كان يسير في خط مستقيم .. ينظر إلى الوراء .. هل انحنى المسار ؟ كان يعتقد بأن المسار المستقيم سيوصله إلى غايته وإلا فإنه سيدور في هذه الصحراء ولن يخرج منها.. الدابة تتبعه وكأنها تفكر بنفس الطريقة..كان يلتفت إلى الدابة بين الفينة والأخرى..وفي هذه المرة : أعتقد يا عزيزتي أننا قطعنا أكثر المشوار ولم يبق إلا القليل..وبعد لحظات : يبدو أننا أخطأنا الطريق …يعود إلى ظهر الدابة . يشرب مزيداً من الماء ..قال لها الحر شـديد ولكن الماء يطفئ الحرارة ..يسـكب لها قليلاً من الماء تشفط الماء وتلحـس الإناء ـ كالعادة ـ قال لها : هيا نريد أن نصل قبل المساء .. مساء الصحراء مخيف جداً وموحش جداً ، هزت الدابة أذنيها وكأنها تقول : أعرف ذلك..أسرَعا في المسير ..سأصعد إلى هذا المرتفع لعلي أهتدي إلى شيء ما ..صعد ..تلفت ..عاد مطأطئ الرأس..يبدو أننا ندور في حلقة مفرغة ..وبعد قليل ..ما هذا !؟ شجرة كبيرة في الصحراء! سأذهب لأرتاح في ظلها أنا ودابتي (الحبيبة) ينطلق.. يجلس تحت الشجرة ..وضع خارطته على ظهر الدابة نظر إليها ..يا لها من مسكينة ..تأملها .. قال لها يبدو أنك تواجهين أسوأ يوم في حياتك ولن تري مثله بعد الآن ..تبسم ..ضحك ..رفع صوته بالضحك ..بعد الآن ..! يالي من رجل متفائل وهل سيكون في حياتي وحياتك شيء يسمى بعد الآن ؟
ثم تنهد بعمق وعاد إلى الدابة يتأملها .. سبحان الذي سخرها … ظل الشجرة يغطي المكان .. مدد رجليه أرخى عضلاته .. لماذا لا أستريح للحظات بسيطة ثم نواصل المشوار إن لحظات بسيطة لن تؤخرنا ..بل إني سأكون أكثر قوة ونشاطاً ..لا لا قد تنام طويلاً حتى يدركك المساء في الصحراء وأنت تعرف معنى ذلك
لا..لا سأسترخي فقط وبينما هو يصارع الأفكار استسلم لنوم قبل أن يقرر أن ينام .. نام نوماً عميقاً..كان الخوف من مساء الصحراء يسيطر على تفكيره الباطن…كان الخوف هو المنغص الوحيد للذة النوم ..وفجأة استيقظ مذعوراً .. وما إن فتح عينيه حتى قال : الحمد لله لم يكن ذلك سوى كابوس مزعج..فتح عينيه جيداً لقد نام أكثر مما ينبغي ..وفجأة تسمرت عيناه .. لقد رأى شيئاً يتحرك قرب رأسه ماهذا ؟ إنه ثعبان .. نعم ثعبان ..ماذا أفعل !؟ لو كان بعيداً لأمكنني التصرف .. ثعابين الصحراء قاتلة وسمها مضاعف ..
ازدادت ضربات قلبه..تصبب عرقه.. شعر بأنها النهاية .. قال بشفتيه المرتعشتين في هدوء شديد : اللهم أغثني ..اللهم أغثني ..كان الثعبان ينظر إلى عبد الله ولسانه المخيف يتحرك ويكاد السم أن يتطاير منه ليكتب نهاية عبد الله.. وعبد الله واجم في مكانه ولم يبد أية مقاومة أو محاولة للهروب ،
فجأة يميل الثعبان ويتجه إلى الشجرة ويلتف على أحد فروعها القوية وعبد الله ينظر ولا يحرك ساكناً ..وما إن اطمأن إلى ابتعاد الثعبان عنه حتى قام مسرعا وابتعد عن الشجرة فرحاً .. الحمد لله ..الحمد لله ثم اقترب شيئاً فشيئاً وأخذ ينظر إلى الثعبان بدقة .. وما هي إلا لحظات حتى انهال على الثعبان بسيل من الحجارة حتى قضى عليه..نسي نفسه من فرحة النجاة من الثعبان.. وأخيراً أخذته النشوة فها هو عدوه المرعب جثة هامدة.. نظر إلى الثعبان نظرة تأمل..حزن عليه ،وندم على قتله قال: لقد كان أكرم مني لقد عفا عني .. ولكني لم أعف عنه ..ما أقساك أيها الإنسان !
قرر عبد الله مواصلة الرحلة المرهقة قبل أن يدركه المساء ..ما هذا !؟؟؟ انتبه عبد الله إلى أمر خطير… كارثة.. مصيبة … الدابة ..أين الدابة ؟ لقد اختفت .. أين ذهبت ؟ هل أخذها اللصوص؟ أي لصوص ؟ وهل يوجد هنا أحد غيري ؟ هل لدغها الثعبان ؟ إذاً فهو يستحق الموت.. ولكن لو لدغها الثعبان لماتت.. أين هي ؟ لابد أن مكروهاً قد أصابها .. تلفت في كل اتجاه ..لا فائدة.. لا أثر لها سأصعد فوق الشجرة لأرى … ولكن قد يكون فوق الشجرة ثعبان آخر ..تفحص الشجرة جيداً من كل اتجاه وأخيراً صعد إلى الشجرة.. أصابته الأشواك ..لا بأس المهم هي الدابة ..لا فائدة لا أثر نزل عن الشجرة ..صعد ربوة قريبة نظر هنا وهناك انتقل من مكان إلى آخر لا فائدة وأخيراً ألقى بنفسه على الأرض من شدة الإعياء ...الحر لافح والظمأ يشتد ، والريح بدأت تهب وذرات الرمال تتطاير.. أخيراً شعر بيأس شديد بأنها النهاية .. ولكن هل ستكون عطشاً ؟ أم أن الوحوش ستمزق جسده..ارتمى على الأرض .. بدأ يستعرض حياته .. اللهم اغفر ذنوبي.. اللهم ارحمني اللهم فرج كربتي
دعا ربه دعاء المضطر ،وبكى بكاء الملهوف وألح في الدعاء …كان الظمأ قد بلغ منتهاه والتعب قد بلغ منتهاه ، وكل شيء بلغ منتهاه كان يحاول أن يبعد عن مخيلته منظر الذئاب وهي تنهش لحمه ،كان يهرب من نهايته البشعة حاول محاولة اليائس مرة أخرى فلعله يرى الدابة لاشيء سوى السراب الذي يلف جوانب الصحراء سأل نفسه أيعقل أن هذا كله سراب ألا يمكن أن يكون ماءً حقيقياً استجمع عبد الله ما بقي من قواه ثم قام متثاقلاً يتبع السراب أسرع وأسرع دون جدوى ..ما هذا يا رجل أتتبع السراب ؟! حاول وحاول وأخيراً وصل إلى ..لاشيء …أنهكه التعب وتغلب على إحساسه بالجوع ..ازدادت قسوة الصحراء وكأنها تريد أن تنتقم للثعبان أصدر قراره الخطير : يبدو أن الله قد كتب لي الموت في هذا المكان…اللهم لا راد لقضائك ..لازالت شجرته تلوح في الأفق … اتجه نحوها ..ألقى بنفسه على الأرض ..كان متأكداً أنه في آخر لحظات حياته اضطجع على جنبه ووضع يديه تحت خده واستسلم.. فقد الوعي من شدة ما أصابه ..أفاق بعد لحظات ظن بأن هذا يوم جديد من فصل النهاية المؤلم وبينما هو يفكر شعر بشيء ما خلف ظهره ارتعدت فرائصه انهارت قواه تجمد الدم في عروقه ..ما هذا ؟ ظل يدعو الله ويدعوه والرعب مسيطر عليه ..لازال ذلك الشيء المخيف في مكانه هل هو وحش ؟ أم أنه من ..أعوذ بالله من الشيطان الرجيم …التفت ببطءٍ شديدٍ وقلبه يكاد أن يقف رعباً
وفجأة ..إنها الدابة واقفة أمام عينيه وكأنها لم تغدر المكان..مسح عينيه جيداً حملق بهما غمرته سعادة لا توصف.. قام إلى الدابة يمسح رأسها يقبلها .. أين كنت يا حبيبتي ؟ لم يدر أين كانت ولا كيف عادت ولكنه يعرف أن عودتها فتحت له باباً إلى الأمل من جديد …أخرج جراب الماء وعب منه حتى ارتوى ..سقى الدابة ..رفع يديه إلى السماء يريد أن يشكر ربه في هذه اللحظات الحرجة..لم يدر بم يدعو وماذا يقول ..التقط أول جملة وصلت إلى لسانه ..أخرجها قائلاً: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك ))
تأليف أ/عـدنان بن سـعد صـغير ـ كلية ينبع الصناعية
لازال عبد الله هائماً على وجهه يسير في تلك الصحراء القاحلة …ولازال يتغلب على يأسه ببصيص من الأمل ينبعث من روحه المؤمنة المطمئنة …واصل عبد الله مشواره في رحلة المجهول… لم يكن يعلم أين هو .. ولا من أين يتجه ؟! كل ما يعرفه أنه يجب أن يقطع هذه الصحراء حتى يصل إلى هدفه
كان ينظر إلى دابته المسكينة وهي تحمل كل هذه الأمتعة وترافقـه في هذه الرحلة المرهقة ولا تتردد في تتبع أثره ..العرق يتصبب من جوانب جسدها…تنظر بعينيها المجهدتين وكأنها تريد أن تقول شيئاً ولكن كيف لعبد الله أن يفهم !
حاول جاهداً أن يتعرف على مكانه ..نظر إلى الشمس ..قلّب بصره هنا وهناك دون جدوى ..نظر إلى دابته المسكينة ومسح على رأسها وقال : لنواصل المشوار فالله لن يضيعنا .
كان يعلم أن دابته قد نالها من التعب ما لا تُحسد عليه .. الحر لافح والرمال محرقة .. توقف فجأة … اقترب من الدابة أخرج الخريطة ..تأملها وأخرج جراباً جلدياً وشرب قليلاً من الماء .. أخرج وعاءً وسكب ماءً لدابته المسكينة ..لم تصدق نفسها من الفرح ..شفطت الماء ..لحست الوعاء ..رفعت رأسها لكن عينيها لازالتا تنظر إلى الوعاء ،مسح عبد الله رأسها وقال : أتمنى أن أعطيك أكثر ولكن ..وأشار بيديه كأنه يقول : أنت تفهمين ما أعنيه
واصل عبد الله المشوار ..كان يسير في خط مستقيم .. ينظر إلى الوراء .. هل انحنى المسار ؟ كان يعتقد بأن المسار المستقيم سيوصله إلى غايته وإلا فإنه سيدور في هذه الصحراء ولن يخرج منها.. الدابة تتبعه وكأنها تفكر بنفس الطريقة..كان يلتفت إلى الدابة بين الفينة والأخرى..وفي هذه المرة : أعتقد يا عزيزتي أننا قطعنا أكثر المشوار ولم يبق إلا القليل..وبعد لحظات : يبدو أننا أخطأنا الطريق …يعود إلى ظهر الدابة . يشرب مزيداً من الماء ..قال لها الحر شـديد ولكن الماء يطفئ الحرارة ..يسـكب لها قليلاً من الماء تشفط الماء وتلحـس الإناء ـ كالعادة ـ قال لها : هيا نريد أن نصل قبل المساء .. مساء الصحراء مخيف جداً وموحش جداً ، هزت الدابة أذنيها وكأنها تقول : أعرف ذلك..أسرَعا في المسير ..سأصعد إلى هذا المرتفع لعلي أهتدي إلى شيء ما ..صعد ..تلفت ..عاد مطأطئ الرأس..يبدو أننا ندور في حلقة مفرغة ..وبعد قليل ..ما هذا !؟ شجرة كبيرة في الصحراء! سأذهب لأرتاح في ظلها أنا ودابتي (الحبيبة) ينطلق.. يجلس تحت الشجرة ..وضع خارطته على ظهر الدابة نظر إليها ..يا لها من مسكينة ..تأملها .. قال لها يبدو أنك تواجهين أسوأ يوم في حياتك ولن تري مثله بعد الآن ..تبسم ..ضحك ..رفع صوته بالضحك ..بعد الآن ..! يالي من رجل متفائل وهل سيكون في حياتي وحياتك شيء يسمى بعد الآن ؟
ثم تنهد بعمق وعاد إلى الدابة يتأملها .. سبحان الذي سخرها … ظل الشجرة يغطي المكان .. مدد رجليه أرخى عضلاته .. لماذا لا أستريح للحظات بسيطة ثم نواصل المشوار إن لحظات بسيطة لن تؤخرنا ..بل إني سأكون أكثر قوة ونشاطاً ..لا لا قد تنام طويلاً حتى يدركك المساء في الصحراء وأنت تعرف معنى ذلك
لا..لا سأسترخي فقط وبينما هو يصارع الأفكار استسلم لنوم قبل أن يقرر أن ينام .. نام نوماً عميقاً..كان الخوف من مساء الصحراء يسيطر على تفكيره الباطن…كان الخوف هو المنغص الوحيد للذة النوم ..وفجأة استيقظ مذعوراً .. وما إن فتح عينيه حتى قال : الحمد لله لم يكن ذلك سوى كابوس مزعج..فتح عينيه جيداً لقد نام أكثر مما ينبغي ..وفجأة تسمرت عيناه .. لقد رأى شيئاً يتحرك قرب رأسه ماهذا ؟ إنه ثعبان .. نعم ثعبان ..ماذا أفعل !؟ لو كان بعيداً لأمكنني التصرف .. ثعابين الصحراء قاتلة وسمها مضاعف ..
ازدادت ضربات قلبه..تصبب عرقه.. شعر بأنها النهاية .. قال بشفتيه المرتعشتين في هدوء شديد : اللهم أغثني ..اللهم أغثني ..كان الثعبان ينظر إلى عبد الله ولسانه المخيف يتحرك ويكاد السم أن يتطاير منه ليكتب نهاية عبد الله.. وعبد الله واجم في مكانه ولم يبد أية مقاومة أو محاولة للهروب ،
فجأة يميل الثعبان ويتجه إلى الشجرة ويلتف على أحد فروعها القوية وعبد الله ينظر ولا يحرك ساكناً ..وما إن اطمأن إلى ابتعاد الثعبان عنه حتى قام مسرعا وابتعد عن الشجرة فرحاً .. الحمد لله ..الحمد لله ثم اقترب شيئاً فشيئاً وأخذ ينظر إلى الثعبان بدقة .. وما هي إلا لحظات حتى انهال على الثعبان بسيل من الحجارة حتى قضى عليه..نسي نفسه من فرحة النجاة من الثعبان.. وأخيراً أخذته النشوة فها هو عدوه المرعب جثة هامدة.. نظر إلى الثعبان نظرة تأمل..حزن عليه ،وندم على قتله قال: لقد كان أكرم مني لقد عفا عني .. ولكني لم أعف عنه ..ما أقساك أيها الإنسان !
قرر عبد الله مواصلة الرحلة المرهقة قبل أن يدركه المساء ..ما هذا !؟؟؟ انتبه عبد الله إلى أمر خطير… كارثة.. مصيبة … الدابة ..أين الدابة ؟ لقد اختفت .. أين ذهبت ؟ هل أخذها اللصوص؟ أي لصوص ؟ وهل يوجد هنا أحد غيري ؟ هل لدغها الثعبان ؟ إذاً فهو يستحق الموت.. ولكن لو لدغها الثعبان لماتت.. أين هي ؟ لابد أن مكروهاً قد أصابها .. تلفت في كل اتجاه ..لا فائدة.. لا أثر لها سأصعد فوق الشجرة لأرى … ولكن قد يكون فوق الشجرة ثعبان آخر ..تفحص الشجرة جيداً من كل اتجاه وأخيراً صعد إلى الشجرة.. أصابته الأشواك ..لا بأس المهم هي الدابة ..لا فائدة لا أثر نزل عن الشجرة ..صعد ربوة قريبة نظر هنا وهناك انتقل من مكان إلى آخر لا فائدة وأخيراً ألقى بنفسه على الأرض من شدة الإعياء ...الحر لافح والظمأ يشتد ، والريح بدأت تهب وذرات الرمال تتطاير.. أخيراً شعر بيأس شديد بأنها النهاية .. ولكن هل ستكون عطشاً ؟ أم أن الوحوش ستمزق جسده..ارتمى على الأرض .. بدأ يستعرض حياته .. اللهم اغفر ذنوبي.. اللهم ارحمني اللهم فرج كربتي
دعا ربه دعاء المضطر ،وبكى بكاء الملهوف وألح في الدعاء …كان الظمأ قد بلغ منتهاه والتعب قد بلغ منتهاه ، وكل شيء بلغ منتهاه كان يحاول أن يبعد عن مخيلته منظر الذئاب وهي تنهش لحمه ،كان يهرب من نهايته البشعة حاول محاولة اليائس مرة أخرى فلعله يرى الدابة لاشيء سوى السراب الذي يلف جوانب الصحراء سأل نفسه أيعقل أن هذا كله سراب ألا يمكن أن يكون ماءً حقيقياً استجمع عبد الله ما بقي من قواه ثم قام متثاقلاً يتبع السراب أسرع وأسرع دون جدوى ..ما هذا يا رجل أتتبع السراب ؟! حاول وحاول وأخيراً وصل إلى ..لاشيء …أنهكه التعب وتغلب على إحساسه بالجوع ..ازدادت قسوة الصحراء وكأنها تريد أن تنتقم للثعبان أصدر قراره الخطير : يبدو أن الله قد كتب لي الموت في هذا المكان…اللهم لا راد لقضائك ..لازالت شجرته تلوح في الأفق … اتجه نحوها ..ألقى بنفسه على الأرض ..كان متأكداً أنه في آخر لحظات حياته اضطجع على جنبه ووضع يديه تحت خده واستسلم.. فقد الوعي من شدة ما أصابه ..أفاق بعد لحظات ظن بأن هذا يوم جديد من فصل النهاية المؤلم وبينما هو يفكر شعر بشيء ما خلف ظهره ارتعدت فرائصه انهارت قواه تجمد الدم في عروقه ..ما هذا ؟ ظل يدعو الله ويدعوه والرعب مسيطر عليه ..لازال ذلك الشيء المخيف في مكانه هل هو وحش ؟ أم أنه من ..أعوذ بالله من الشيطان الرجيم …التفت ببطءٍ شديدٍ وقلبه يكاد أن يقف رعباً
وفجأة ..إنها الدابة واقفة أمام عينيه وكأنها لم تغدر المكان..مسح عينيه جيداً حملق بهما غمرته سعادة لا توصف.. قام إلى الدابة يمسح رأسها يقبلها .. أين كنت يا حبيبتي ؟ لم يدر أين كانت ولا كيف عادت ولكنه يعرف أن عودتها فتحت له باباً إلى الأمل من جديد …أخرج جراب الماء وعب منه حتى ارتوى ..سقى الدابة ..رفع يديه إلى السماء يريد أن يشكر ربه في هذه اللحظات الحرجة..لم يدر بم يدعو وماذا يقول ..التقط أول جملة وصلت إلى لسانه ..أخرجها قائلاً: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك ))