المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تنمية وتدريب القياديين (1)


د. ملائكة
29-12-2003, 04:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

برامج التدريب في الدول النامية تنصب غالبيتها على التدريب الأولي والأساسي والفني مع بعض اهتمام ببرامج تدريب المشرفين والإدارة الوسطى والقليل من التدريب التخصصي والفني المتقدم والمهني المتقدم. أما برامج تدريب القياديين فقلما تحظى بأي اهتمام جاد. وربما بسبب الظن بأن هؤلاء القياديين وصلوا إلى مراحل متقدمة جدا من الخبرة والمعرفة والمهارة فلا حاجة لتدريبهم أو لا يشعرون بأن هناك حاجة ليتدربوا. وربما أيضا بسبب الظن بأنه لا يليق بالقيادي المشاركة في برامج تدريب خاصة بالقياديين لأن ذلك يقلل من شانه. ومهما كانت الأسباب والظروف فالقياديين ما هم إلا بشر كغيرهم ولا يمكن لأي بشر أن يبلغ كمال المعرفة والخبرة والمهارة.

يقول الحق تبارك وتعالى: { ... وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } من الآية 85 الإسراء

وسأقوم من فترة لأخرى بالكتابة عن تنمية القيادة بمشيئة الله تعالى، مع الكتابة أيضا عن مواضيع أخرى عن التدريب والتأهيل ...الخ. إلا أنني أحببت أن أبدأ بالإشارة إلى أهمية القياديين في كافة مراحل وبرامج التنمية سواء كقياديين يديرون المنظمات وأهدافها ونشاطاتها ومن ذلك قياداتهم لبرامج التدريب في مؤسساتهم أو كمشاركين في برامج التدريب والهادفة إلى تطوير المنظمات والإدارة والقيادة.
وتجدون برفقته بعض ما أحببت مشاركتكم فيه من الرأى، والمداخلات نرحب بها كثيرا!
مقدمة عن القيادة
القيادة هي بمثابة الرأس من الجسد والعقل من الرأس، وهي بمثابة سنام الجمل ورأس الحربة. وبدون القيادة الحكيمة والعادلة والقوية في الدولة يضيع الوطن، وبدون القيادة الواعية والمحنكة والهادفة في التنظيم يختلط بنيان التنظيم وتختلط أهدافه برغبات ومصالح العاملين فيه الشخصية، وبدون القيادة المربية واليقظة والرحيمة تضيع الأسرة وتتفكك أواصرها. لذا فالقيادة المؤمنة المسلمة، والبصيرة المتفهمة، والحكيمة الراشدة هي رأس كل تنظيم ومفتاح كل نجاح وتفوق. فما أحوج أمتنا الإسلامية إلى القيادات المؤمنة التقية، والبصيرة الحكيمة، والعادلة المحنكة، والقوية الرحيمة في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والتعليمية... الخ. ولما كانت هذه متطلبات القيادة الناجحة فلا يمكن الجزم بأن الإيمان وحده يكفي لتحقيقها إذ لابد معه من العلم والمعرفة والخبرة والمهارة في أمور القيادة وسلوكياتها وأنماطها ودوافعها وأساليبها. يقول الله سبحانه وتعالى: { ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد } سبأ، 6. ويقول تعالى وتبارك: { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم } الحج، من الآية 54. إن الإيمان والنيات أساس ومنطلق الأعمال الصالحة ولكن العلم والمعرفة هما الطريق الأمثل لتحقيق وتنفيذ الأعمال الصالحة { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } الزمر، 9. والقرآن الكريم يدعوننا إلى التفكر لنصل إلى الحقيقة والتي تقوم على أن كل ما في الخلق والكون إنما سخر لنا وما ذلك إلا لحقيقة أو غاية واحدة وهي أن نعبد الله جل وعلا مخلصين له الدين في نياتنا وأعمالنا وأقوالنا، يقول الحق تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } الذاريات، 56. ويقول سبحانه وتعالى أيضا: { ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار } آل عمران،1
إن حال العالم الإسلامي اليوم يسوء ولا يسر ولكن أساس العيب في المسلمين والذين ضعف إيمانهم وغرقوا في ملذات الحياة الدنيا وابتعدوا عن خشية الله تعالى وتقواه وغرهم التطور المادي والتقدم التقني الغربي والصناعي فاستساغ أعداء الإسلام الهجوم عليه والاعتداء على أبنائه وممتلكاتهم وحرماتهم وأراضيهم. وفي هذا المعترك الضخم والمستمر تشتد حاجة المسلمين إلى القياديين المؤمنين المخلصين، والأقوياء الواعدين بالنهوض بأمتهم وبلادهم دينيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا وعلميا وإداريا واجتماعيا.
إن الدين الإسلامي كله كمال وروائع لما وضعه من قواعد متكاملة لكل نواحي الحياة الدنيا وما أتمه من نظام يكفل خير الإنسان وفلاحه وخير الإنسانية ورقيها، وجعل ترابط المسلم الفرد بمجتمعه من أهم عوامل دعم المجتمع وصلاحه. وهكذا يصبح كل فرد في المجتمع عنصر إيجابي في نموه، ومن باب أولى يصبح القائد المسلم من أهم الأفراد في النهوض بأمته وتقدمها بل وهو عماد إحقاق الحق وبسط العدل والعمل بالمساواة. فمن ذا الذي ينصر المظلوم بعد الله تعالى إلا السلطان والحاكم والوالي والقاضي (القيادي).
ومن أجمل ما قرأت ما ذكره الصحابي الجليل عمر بن سعد رضي الله عنه: إن الإسلام حائط منيع، وباب وثيق. فحائط الإسلام العدل، وبابه الحق. فإذا نقض الحائط وحطم الباب فقد استفتح الإسلام، وما يزال الإسلام منيعا ما اشتد السلطان، وليست شدة السلطان قتلا بالسيف أو ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذا بالعدل.(ابن كثير ج3، ص137) ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ما قدمت أمة لا يؤخذ لضعيفها حقه من قويها غير مضيع. (الإستيعاب، ابن عبد البر، ج2، ص318) أي لا تتقدم بل تتأخر ما لم ينتشر فيها العدل بدون إنقاص فيه.
أن القيادة هي القدرة على التأثير في الآخرين لإتباع أهداف وطموحات القائد، وهي بالتالي الإجراءات المختلفة والتي يستخدمها القائد لاستمالة الآخرين لإتباع أهدافه وتنفيذها من أساليب اتصال مؤثرة واستخدام الحوافز المؤثرة والقدرة على الإقناع والقدرة على التخطيط والتنظيم وكذلك القدرة على التوجيه الفعال. إذا فالقيادة هي قدرات ذاتية (مهارات)، وقدرات تنظيمية وإدارية (سلطات)، وقدرات اجتماعية (سلوكية). هذه القدرات الذاتية بعضها وراثي أي موهوب من الله تعالى كالذكاء والصحة والتكوين الجسدي، والبعض الأخر مكتسب كالعلم والمعرفة والخبرة. أما القدرات التنظيمية فتعتمد في المقام الأول على التنظيم من حيث السلطات والصلاحيات والقدرات والإمكانيات كما وتعتمد على القائد من حيث مهارته وقدرته في الحصول على ما أمكن من السلطات اللازمة لتحقيق الأهداف. أما القدرات الاجتماعية فمنها الوضع الاجتماعي للقائد وأيضا علاقاته الاجتماعية ومهاراته الإنسانية. ومن ثم فإن هنالك قدرات ومهارات متعددة وبدونها لا يستطيع القيادي الإستمرار والنجاح كقائد ومنها الذكاء والحنكة والبصيرة والكياسة، والمستوي التعليمي والمعرفة، وتحمل المسئولية والقدرة على المبادرة، وحبه للنشاطات المختلفة وخاصة الاجتماعية، والكرم ولكن بدون إسراف ولا تبذير، وشخصيته محبوبة، ومثابر وصبور، ولديه الثقة بنفسه بدون غرور، ويحب التعاون، والتواضع والقدرة على تعديل مواقفه وأساليبه للأفضل، والقدرة على الاتصال الفاعل، والروئ والشفافية. كل هذه الصفات تجعل من القائد قادرا على الرؤية البعيدة ومن ثم استشفاف المستقبل وبالتالي إيصال هذه الروئ إلى الآخرين بوضوح وفعالية، وعليه فينبغي أن يكون لديه القدرة على الاتصال والتواصل مع الآخرين بفعالية عالية. كما أن هذه الصفات أيضا تجعله يدرك قدرات الآخرين ومن ثم يثق بهم وقادرا على إسناد الأدوار والمهام إليهم وفق قدراتهم. وأخيرا فهو قادر على تطوير نفسه ومهاراته وقدراته ومهارات وقدرات الآخرين العاملين معه.